محمد غازي عرابي
859
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
مع قانون السببية ، وما دام الاختيار نفسه قضية مفتوحة لا يمكن التنبؤ ينتيجتها مسبقا كما هو الحال مع قانون العلية ، فالإنسان قد يختار حلا ما ، وقد يختار نقيضه ، وهذا ما يتنافى مع قانون السببية الذي لا يقبل الاختيار ، ولا القرار المناقض لقراره ، وانتهى كانط إلى إعلان إفلاسه أمام هذه العقدة قائلا : الحرية الإنسانية سر من الأسرار . وسبق أن قلنا إن ابن سينا قال : في كل متعين متعين ومطلق غير متعين ، وقال هيغل : في الموجودات الحية يتكون الجزئي من جزئي وكلي ، فالكلي القوام والأساس ، والجزئي مجال نشاط الكلي ومظهر لصفات النفس الكلية ، فهو هي ، وهو النور ، المضاف أو النور المعار كما سماه السهروردي وهو المتناهي بالنسبة إلى اللا متعين ، وهو الحد أو الكيف أو التعين كما قال هيغل الذي وصف الجزئي بأنه في حالة مباشرة في هوية مع الوجود ، وعني هيغل بالوجود الوجود الأصيل أو الروح ، وقال أيضا التعين الخاص يتحد مع وجود الشيء في هوية واحدة بحيث يصبح هو نفسه وجوده ، بل وتصبح معرفة هذا الشيء بدونه أمرا محالا . فالإنسان الجزئي هو إذن صفة إلهية متعينة تظهر صاحب الصفات ، وهو لو لاها ما ظهر ، وهي من دونه ما كانت ، وما قامت ، وما فعلت ، ولا ذهبت ذات اليمين وذات الشمال ، أما كونها متحدة مع الوجود في هوية واحدة فلأن قوامها النوراني هو من طبيعة النور الذاتي الإلهي نفسه ، فليس في الوجود إلا الأنوار ، وهذه خلاصة فلسفة السهروردي من الألف إلى الياء . وأنشد ابن عربي : فلولاه ولولانا * لما كان الذي كانا فإنا أعبد حقا * وإن اللّه مولانا وإنا عينه فاعلم * إذا ما قلت إنسانا فلا تحجب بإنسان * فقد أعطاك برهانا فكن حقا وكن خلقا * تكن باللّه رحمانا وغذ خلقه منه * تكن روحا وريحانا فأعطيناه ما يبدو * به فينا وأعطانا فصار الأمر مقسوما * بإياه وإيانا فالإنسان إذن تعين صفات اللّه تعالى الذي خلقه خصيصا لإظهارها ، ولقد تحدثنا عن التناقض الذي يعيشه الإنسان ظاهرا وباطنا ، وتذبذبه بين الخواطر واختياره لقرار ما ، أما الصوفية فلقد رفعوا شعارا هو الإنسان مجبور في عين اختياره فلقد وجدوا له أصلا في كتاب اللّه وهو قوله تعالى : وَرَبُّكَ يَخْلُقُ ما يَشاءُ وَيَخْتارُ ما كانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ [ القصص : 68 ] ،